في أعماق أحد أطول الصراعات في أفريقيا وأقلها شهرة, تظهر صورة تتحدى الصور النمطية للحرب: جنود إريتريون يلعبون الشطرنج في الخنادق أثناء خدمتهم العسكرية الإلزامية. هذا المشهد, متناقض على ما يبدو, لا يعكس فقط مرونة الإنسان في الظروف القاسية, ولكن أيضًا التعقيدات التي يواجهها بلد اتسم بعقود من الصراع, العزلة الدولية ونظام التجنيد الذي أعاد تعريف الحياة لأجيال. إريتريا, دولة في القرن الأفريقي لها تاريخ في النضال من أجل الاستقلال وواقع سياسي غامض, يقدم سيناريو تتشابك فيه الحرب والحياة اليومية بطرق غير متوقعة. كيف يعقل أن يكون ذلك وسط خدمة عسكرية يصفها الكثيرون بأنها لا تنتهي, يصبح الشطرنج رمزا للمقاومة والحياة الطبيعية? يستكشف هذا المقال الجذور التاريخية, التداعيات والتناقضات الاجتماعية لظاهرة تتجاوز مجرد هواية بسيطة, الكشف عن الطبقات الخفية لبلد لا يزال لغزا للعالم.
السياق التاريخي: إريتريا ونضالها من أجل الاستقلال
لفهم لماذا يلعب الجنود الإريتريون الشطرنج في الخنادق, ومن الضروري العودة بالزمن إلى الوراء وتحليل المسار الذي أوصل إريتريا إلى وضعها الحالي. ويرتبط تاريخ البلاد ارتباطًا وثيقًا بتاريخ جارتها إثيوبيا, والتي حافظت معها على علاقة الهيمنة والمقاومة لأكثر من قرن. بعد أن ضمتها إثيوبيا 1962, بدأت إريتريا حرب الاستقلال التي استمرت لمدة 30 سنين, حتى 1991, عندما حقق أخيرا سيادته. لكن, كان السلام قصير الأجل: في 1998, أثار الصراع الحدودي مع إثيوبيا حربًا جديدة استمرت حتى 2000 وخلف عشرات الآلاف من القتلى.
هذا الصراع, على الرغم من أنها انتهت من الناحية الفنية باتفاق الجزائر عام 2000, ترك جرحا مفتوحا. إريتريا, في ظل حكومة أسياس أفورقي الاستبدادية, وحافظت على حالة التعبئة الدائمة, تبرير التجنيد العسكري لأجل غير مسمى كإجراء ضروري لحماية السيادة الوطنية. إن عدم وجود اتفاق نهائي مع إثيوبيا - حتى المصالحة المفاجئة في عام 2018 - سمح للنظام الإريتري بالحفاظ على خطاب الكراهية. “ليس الحرب, ليس السلام”, إدامة النظام العسكري الذي شكل حياة مواطنيها. في هذا السياق, الشطرنج في الخنادق ليست مجرد لعبة, ولكنه انعكاس لكيفية تكيف السكان مع واقع الصراع المزمن.
التجنيد العسكري في إريتريا: بين الإلزام والقهر
تعد الخدمة العسكرية في إريتريا واحدة من أطول الخدمة العسكرية وأكثرها إثارة للجدل في العالم. رسمياً, يستمر التجنيد 18 شهور, ولكن في الممارسة العملية, يبقى العديد من المجندين في الجيش لعقود, دون أفق واضح للتحرر. هذا النظام, أنشئت في 1995, وقد تم تبريره في البداية كإجراء مؤقت لتعزيز الأمن القومي بعد الاستقلال. لكن, مع اندلاع الحرب مع إثيوبيا 1998, وأصبحت أداة للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية.
المجندين, كل من الرجال والنساء, ويتم إرسالهم إلى معسكرات التدريب حيث تكون الظروف قاسية: أيام مرهقة, حصص إعاشة غير كافية ونظام تأديبي قاس. ويصف الكثيرون الخدمة بأنها شكل من أشكال العبودية الحديثة, حيث يتم استخدام الجنود ليس فقط للدفاع الوطني, ولكن أيضًا لمشاريع البناء والزراعية في إطار البرنامج “الحرب من أجل التنمية”. في هذا السيناريو, يظهر الشطرنج كآلية هروب نفسي. اللعب في الخنادق ليس مجرد هواية, ولكن وسيلة للحفاظ على العقل في بيئة تجرد من الإنسانية. بجانب, شطرنج, بقواعدها الواضحة وبنيتها المنطقية, يتناقض مع الفوضى وعدم اليقين الذي يهيمن على حياة المجندين.
الشطرنج كرمز للمقاومة والحياة الطبيعية
الشطرنج في إريتريا ليست ظاهرة معزولة. تتمتع البلاد بتقاليد بارزة في لعبة الشطرنج, مع اتحاد نشط ولاعبين تنافسوا على المستوى الدولي. لكن, ممارسته في الخنادق تأخذ معنى أعمق. في بيئة تكاد تكون فيها الحرية الفردية معدومة, يصبح الشطرنج عملاً من أعمال المقاومة الصامتة. كل لعبة هي تأكيد للإنسانية, تذكير بذلك, حتى في أحلك الظروف, يمكن للعقل أن يتجاوز القمع.
بجانب, الشطرنج في الخنادق يؤدي وظيفة اجتماعية. في نظام يأتي فيه المجندون من مناطق ومجموعات عرقية مختلفة, تعمل اللعبة كلغة عالمية تعزز الصداقة الحميمة وتقلل من التوترات. الجنود, العديد منهم من الشباب الذين ليس لديهم خبرة سابقة في لعبة الشطرنج, يتعلمون اللعب مع بعضهم البعض, إنشاء شبكة دعم غير رسمية تخفف من العزلة. وتتناقض هذه الديناميكية مع الرواية الرسمية للنظام, الذي يقدم الخدمة العسكرية كتجربة موحدة ووطنية. في الحقيقة, الشطرنج يكشف الشقوق في النظام الذي, على الرغم من صلابته, لا يمكنها السيطرة بشكل كامل على إبداع مواطنيها وقدرتهم على الصمود.
على الجانب الآخر, كما تعكس لعبة الشطرنج تناقضات النظام الإرتري. بينما تعمل الحكومة على تعزيز الرياضة كأداة للتنمية, والحقيقة هي أن العديد من اللاعبين الموهوبين فروا من البلاد هربًا من التجنيد الإجباري.. وقد أدى هذا إلى إضعاف إمكانات إريتريا في لعبة الشطرنج., والتي أصبحت في ذلك الوقت قوة إقليمية. المفارقة واضحة: نفس النظام الذي يجبر الشباب على الخدمة إلى أجل غير مسمى في الجيش يحرمهم أيضًا من فرصة تطوير مهاراتهم في مجال يمكن أن يفيد البلاد..
التأثير الاجتماعي وأصوات المجندين
ونادرا ما تتجاوز قصص المجندين الإريتريين الذين يلعبون الشطرنج في الخنادق حدود البلاد. لكن, شهادات أولئك الذين تمكنوا من الهروب أو إكمال خدمتهم تقدم رؤية مروعة لما يعنيه العيش في ظل هذا النظام. يصف الكثيرون لعبة الشطرنج بأنها واحدة من الأنشطة القليلة التي سمحت لهم بالحفاظ على الشعور بالحياة الطبيعية.. “عندما لعبنا, للحظة نسينا أننا كنا في خندق”, يقول مجند سابق في مقابلة مع وسائل الإعلام الدولية. “كان الأمر كما لو أن العالم الخارجي موجود مرة أخرى”.
لكن, الشطرنج هو أيضًا تذكير بما فقدوه. العديد من المجندين هم من الشباب الذين انتزعوا من دراستهم أو وظائفهم للخدمة في الجيش. بالنسبة لهم, اللعبة ليست مجرد الهروب, ولكنه أيضًا رمز لما يمكن أن تكون عليه حياتهم في ظروف أخرى. هذه الازدواجية – بين الأمل واليأس – ثابتة في روايات الإريتريين الذين عانوا من التجنيد الإجباري..
التأثير الاجتماعي لهذا النظام مدمر. وقد تسبب التجنيد لأجل غير مسمى في هروب أعداد كبيرة من الشباب, ويخاطر الكثير منهم بحياتهم بعبور البحر الأبيض المتوسط بحثاً عن اللجوء في أوروبا. بحسب بيانات الأمم المتحدة, إريتريا هي واحدة من البلدان التي لديها أكبر عدد من اللاجئين للفرد في العالم. أولئك الذين بقوا في البلاد يعيشون في حالة خوف دائم, حيث أصبح الإدانة والقمع عملة مشتركة. في هذا السياق, الشطرنج في الخنادق يأخذ معنى أعمق: إنه عمل من أعمال التمرد, ولكن أيضا البقاء على قيد الحياة.
الاستنتاجات: خارج المجلس
إن صورة الجنود الإريتريين وهم يلعبون الشطرنج في الخنادق هي أكثر بكثير من مجرد حكاية غريبة. إنه رمز لصمود الإنسان في مواجهة الظلم., ولكن أيضًا تذكير بالتناقضات الموجودة في النظام الذي, باسم الأمن القومي, وضحى بحريات ومستقبل أجيال بأكملها. ولا تزال إريتريا بلدا محصورا في دائرة من الصراع والعزلة, حيث أعاد التجنيد العسكري لأجل غير مسمى تعريف حياة مواطنيها.
شطرنج, في هذا السياق, إنها ليست مجرد لعبة, بل هو عمل من أعمال المقاومة الصامتة. كل لعبة تُلعب في الخنادق هي تأكيد للإنسانية, طريقة للحفاظ على العقل في بيئة تجرد من الإنسانية. لكن, كما أنه انعكاس لما دمره النظام الإريتري: إمكانية حياة طبيعية, لمستقبل بلا خوف. بينما العالم يراقب بلامبالاة, ولا يزال آلاف الشباب محاصرين في نظام يحكم عليهم بوجود العبودية واليأس.
إن قصة إريتريا وجنودها الذين يلعبون الشطرنج تدعونا إلى التفكير في حدود المقاومة الإنسانية وعواقب الصراع الذي, على الرغم من الانتهاء رسميا, يستمر في تحديد حياة الملايين. ما وراء المجلس, ما هو على المحك هو حرية الشعب الذي, حتى الآن, استمر في إيجاد طرق للحلم, حتى في الخنادق.
